” يَاْ طِفْلْ عْيِيْتْ وَأَنَاْ بِيْعْ أَدِيْ عْلَيَ خُبْزَةْ “

كان الوقت مساءا  تقريبا بعد آذان العشاء بدقائق، وبينما أنا جالس على الجهاز الملعون كعادتي إذ بدأت بعض ملامح الإنزعاج والتذمر شديد ترتسم على وجهي ، فقد كان الباب يطرق بطريقة متواصلة ، رغم أن الطرقات كانت خفيفة وبسيطة، إلا أنها تسبب الإزعاج، وعندما إقتنعت أنه لا مناص من الإزعاج إلا بفتح الباب توجهت نحوه بقلق وكأنني أريد أن ينتهي الأمر بسرعة وأعود لأعمل على الجهاز.

فتحت الباب وقابلتني فتات صغيرة و معها أختها الأصغر منها ، كان الضلام دامسا في الخارج ، حاولت فتح الباب قدر الإمكان حتى يخرج بعض الضوء ما أمكنه الخروج ، وكانت الفتاة حتى قبل أن أكلمها تكرر : ” يَاْ طِفْلْ عْيِيْتْ وَأَنَاْ بِيْعْ إَدِيْ عْلَيَ خُبْزَةْ ” ، وتقول أيضا في مقطع آخر : ” عْيِيْتْ وَأَنَاْ نْبِيْعْ ، عْلَاشْ عْلَاشْ أَشْرِيْ عْلِيَ خُبْزَةْ ” حقيقة لقد صدمت ولكن ليس للوهلة الأولى طبعا ، فقد أجبتها و الإنزاعج مازال يصاحبني  ” لا ، لانريد الخبز ، عندنا ما يكفي ” ولكنها أصرت وكررت وكادت تبكي وقالت مرة أخرى : ” لماذا لماذا إشتر من عندي رغيفا، لقد تعبت من البيع، يا ولد أرجوك ” ، الشيء الوحيد الجميل في كل ذلك هو تسميتها لي بالطفل أو الولد ، ولكن رغم طرافة الأمر إلا أن هذا لا يسمح لي بالضحك، فحزنها ، تعبها وألمها ، وطلبها مني الشراء بتلك الطريقة التي لا يمكنني إلا أن أقول أنها وضيعة ومحتقرة وعافانا الله منها فقد رق قلبي كثييرا لدرجة أنني عزمت أخيرا على شيء جميل ، ليس شراء الخبز طبعا فأنا لا أحب شراء الخبز المحضر في بعض البيوت ” وَالْفَاهَمْ يَفْهَمْ ” ولا حتى أن أطردها وأقفل الباب مثلما يفعل الكثيير ولكني كنت على الأقل مثل الآخرين الذين يمتلكون قلبا ينبض فقد رميت يدي في جيبي وأخرجت قطعتين نقديتين وللأسف لم تكتمل الفرحة فقد أغواني فضولي ودفعني لأرى قيمة المبلغ المعتبر الذي سأدفعه وكأنني أبخل من على هذه الأرض – وأنا أكثرهم تبذيرا – ، يا للهول إنها 120 دينار –  وكأنه ملايير – لا مستحيل أنني أتخلص من كل هذا الرقم من أجل قلبي، فليتمزق أو ليمت ، متناسيا أنني أدفع لأجل هذا القلب بالذات أموالا طائلة لإسعاده، ولكن في تلك اللحظات لم أدري إلا وأنا أسحب قطعة الـ 100 دينار وأعطيها الباقي طبعا الباقي إنه رقم كبير وهو الـ 20 دينار ، ولكن الأمر المحير والذي لم أجد له تصنيفا هل هو مفرح أم محزن وهو أن الفتاة لما رأت القطعة وفي ذلك الضلام لم تهتم حتى لرؤيتها المهم أنني وافقت على الشراء حسبها فقد دفعت لي بالرغيف حتى قبل أن تمسك القطعة جيدا، لكنني دفعت الباب في وجهها وكأنني نسيت نهائيا قلبي الذي حن لأجلها قبل لحظات.

الغريب في كل ما حدث هو :

1- كيف لعائلة في هذا الزمان أن تجعل إبنتها التي لا أعتقد أنها تجاوزت العاشرة وأختها التي أجزم أنها وصلت للسادسة من العمر، يخرجان وحدهما في ساعة متأخرت من اليوم، ويأتيان لمنطقة التي أسكن فيها ؟ ولا أخفي عليكم فالمنطقة التي أقطنها مليئة بالذئاب البشرية وعديمي الرحمة ، ويبدو أنني تأثرت بهم رغم أنني لا صاحب أي واحد منهم ولا أعرف عنهم شيئا.

2- لماذا لم تنظر الفتاة إلى النقود التي أعطيتها لها ؟

3- كانت الفتاة تقول لي : ” عْيِيْتْ وَأَنَاْ نْبِيْعْ ” ، [ لقد تعبت وأنا أبيع ] ، فما معنى ذلك ؟ وأين معاهدات الطفل وحمايته هنا ؟

4- هل كانت تدرس الفتاة في النهار وتعمل في الليل ؟ وكأنها شخص بالغ وليس كل بالغ يطيق ذلك !! رغم أن فكرة دراستها غير واردة أصلا .

5- هل سنتمكن من القضاء على هاته الكائنات التي تنتمي لبني آدم وتدعي البشرية وتتضاهر بالإنسانية وهي تشغل أبنائها بينما تبقى هي تجلس في البيت تشاهد التلفاز أو تتسلى مع …. أو تتكأ على الجدران لمقابلة الجامعات وإسمحولي ألا أكمل فقد أخطأ وأبدأ في قول كلا لا يليق بمجلسنا ؟؟؟؟؟

6- لماذا أنا لم أتمكن من فعل شيء ؟ بل وكانت كل تصرفاتي مخيبئة للآمال ، آمالي أنا شخصيا قبل أي أحد آخر !!

7- لا أدري ما أقول سوى : ” لا تعليق ، في إنتظار التطبيق “

كل هذا وذاك لن تشاهدوه في أي برنامج على قناتنا.

إلى اللقاء ….

Share

Advertisements

About therili

Project Manager

2 responses to “” يَاْ طِفْلْ عْيِيْتْ وَأَنَاْ بِيْعْ أَدِيْ عْلَيَ خُبْزَةْ “”

  1. نصرالدين says :

    العزيز أمين ، لقد لكأت جرحا عميقا، إن أكثر شيىء يؤلمني هو فقر أباء جلدتي .
    أخي الكريم أوافقك تماما في كون منبع الإشكال هو ذلك المتسكع الذي أرسل بناته للتسول ويعرضهم للخطر الجسدي والجنسي والنفسي والفكري.
    فإن علمت أن الحال هي هذه فلا أقل من التوجه إليه ومناصحته ومن ثم تهديده بالشرطة.
    لكن أيها الحبيب ازمتي ليست مع مثل هؤلاء بل مع من لا معيل لهم من الفقر قد دق كل جوانبهم ولا مصدر للإسترزاق إلا ذلك الطفل الصغير البريء أو الفتاة البريئة ، فكم يدم القلب هذا ، فعن كانت الحالة هي هذه فلا أقل من كفالة تلك العائلة إن قدرنا
    بورك فيك

    • therili says :

      لكن المشكل، مساعدة هذه العائلة لن يغنيهم عن طلب المال، كم ستعطيهم، وكم من الوقت ستصرف عليهم.

      إن فعل ذلك لن يزيدهم إلا طمعا وجشعا. ولنفرض أنهم حقا عائلة فقيرة معدمة، هل سترسل أولادك لجمع المال في الليل بتلك الطريقة.
      لو سألته لقال: <> ، ولكن الحقيقة غير ذلك، فالتعذيب الذي يمارسه في حقها إن عادت خاوية الوفاض أوأرجعت الخبز كما ذهبت به “تِيتِي زَيْ مَا رُحْتِي زَيْ مَا جِيتِي” جعلها تتذل من أجل أن يشتري من عندها المحسنون وليس المحتاجون للخبز.

      أغلب الظن أن هذه الفتاة كانت تبيع الخبز في مكان عام، ولما عادت للبيت أمرها والدها أو أمها بمغادرت البيت وعدم الرجوع إلا بعد بيع كامل الخبز ، هل تتخيل المشهد ؟
      وربما هناك سيناريو آخر أقل حدة وهو أن الفتاة خافت أن يحدث لها ذلك فمن تلقاء نفسها جعلت تمر على البيوت وتطلب شراء الخبز منها.
      وهناك تفسيرات عدة وكلها يصب في أن العنف الأسري في أغلب العائلات الجزائرية هو السبب وراء الفساد، والإنحلال.

      هذه الفتاة بشر، وكل البشر يتعلمون ويتعودون، فهل في رأيك ستتعلم هذه الفتاة الأمور الجيدة من خلال هكذا عمل في الليل معرضة نفسها كما تفضلت في تعليقك للتحرشات والمضايقات ؟؟؟ لا يحتاج السؤال لا لنقاش ولا لإجابة، ولكنه سيحتاج بالفعل لإيجاد حل 🙂
      شكر الله سعيكم .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: